ملخّص البحث
يقدّم هذا البحث دراسة تحليلية لبنية الوجود كما رسمها الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، مع التركيز على العلاقة بين الوجود المطلق والعقل الأول والإنسان الكامل، وكيف يُشكّل فهم هذه البنية طريقاً مباشراً إلى السعادة التي لا تُنزع. يعتمد البحث على نصوص ابن عربي الأصلية، خاصة "بلغة الغواص" و"الفتوحات المكية" و"فصوص الحكم"، ويُقارن بين مراتب الوجود ومقامات السالك، مبيّناً أنّ البهجة الأبدية ليست مقاماً يُوصل إليه بل هي طبيعة الوجود ذاته حين يُدرك ذاته.
الكلمات المفتاحية: الوجود المطلق، العقل الأول، الإنسان الكامل، ابن عربي، البهجة الأبدية، الطريق المباشر، وحدة الوجود، التجلّي.
المقدّمة: إشكالية البحث
ثمّة سؤال يُلازم كلّ سالك في الطريق الروحي: إن كانت السعادة هي طبيعة الوجود، فلماذا لا أشعر بها دائماً؟ وإن كان الله أقرب إليّ من حبل الوريد، فلماذا أشعر بالبُعد؟
هذا البحث يُجيب عن هذا السؤال من خلال بنية وجودية محكمة رسمها ابن عربي، تُبيّن أنّ المشكلة ليست في غياب السعادة بل في غياب المعرفة بها. وأنّ "الطريق المباشر" ليس طريقاً يُقطع في الزمان بل هو انكشاف يحدث حين يُزال الحجاب.
يهدف البحث إلى:
- تقديم بنية الوجود عند ابن عربي بشكل منهجي قابل للفهم المعاصر
- توضيح العلاقة الدقيقة بين الوجود المطلق والعقل الأول والإنسان الكامل
- بيان كيف تُترجم هذه البنية إلى طريق سلوكي مباشر نحو البهجة الأبدية
- تقديم مقارنات وجداول تحليلية تخدم الباحث والسالك معاً
المبحث الأول: مراتب الوجود عند ابن عربي
أولاً: الوجود المطلق (الذات الأحدية)
الوجود المطلق عند ابن عربي هو الحقيقة الأولى التي لا تقبل وصفاً ولا تعيّناً. هو الذات الإلهية من حيث هي، قبل أيّ اعتبار وقبل أيّ تجلٍّ. لا يُقال عنه "موجود" بالمعنى الذي يُقال عن الأشياء، لأنّه هو الوجود ذاته الذي تستمدّ منه الأشياء وجودها.
"الوجود المطلق هو الحقّ من حيث ذاته، لا من حيث أسمائه ولا صفاته. وهو الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا هو."
هذا المستوى لا يُدرك بالعقل ولا بالكشف ولا بأيّ وسيلة، لأنّ كلّ وسيلة هي تعيّن، والمطلق لا يقبل التعيّن. لكنّه ليس "عدماً" بل هو أصل كلّ وجود وكلّ معرفة وكلّ سعادة.
ثانياً: التعيّن الأول (الأحدية والواحدية)
حين "يتنزّل" الوجود المطلق (لا تنزّلاً مكانياً بل اعتبارياً) إلى مرتبة المعرفة بذاته، يظهر ما يسمّيه ابن عربي "التعيّن الأول." وهو مرتبة الأسماء والصفات الإلهية مجملةً، قبل أن تتفصّل في العالم.
ثالثاً: العقل الأول (التعيّن الثاني)
العقل الأول هو أوّل ما صدر عن الحقّ. وهو أوّل "موجود" بالمعنى الاصطلاحي. قال ابن عربي:
"العقل الأول هو أوّل مبدَع، وهو الذي يعقل ذاته ويعقل مبدأه."
| الخاصية | الوصف |
|---|---|
| البساطة | غير مركّب، ليس فيه ظاهر وباطن |
| التجرّد | ليس له صورة محسوسة |
| الإجمال | يحمل كلّ المعاني مجملة غير مفصّلة |
| التعقّل المزدوج | يعقل ذاته ويعقل مبدأه |
| الوساطة | هو الواسطة بين الحقّ المطلق والعالم |
رابعاً: العالم الكبير (الكون الأول)
العالم الكبير هو مجموع الوجود المتعيّن: السموات والأرض والعرش والكرسي وكلّ ما فيه. قال ابن عربي في "بلغة الغواص":
"المَثَل المشبَّه هو الكون الذي ظاهره السموات والأرض والعرش والكرسي، وباطنه العقل الأول."
فالعالم الكبير له وجهان: ظاهر محسوس (المادة والصور) وباطن معقول (العقل الأول). لكنّه لا يعرف ذاته، أي أنّ العالم بمجموعه لا يملك وعياً ذاتياً يجمع ظاهره وباطنه.
خامساً: الإنسان الكامل (الكون الثاني)
هنا يصل ابن عربي إلى ذروة بنيته الوجودية. الإنسان الكامل هو:
"الكون الثاني المخلوق على الصورة التي هي الكون الأول... فالمَثَل المنزَّه هو الإنسان."
الإنسان الكامل يجمع كلّ ما في العالم الكبير (ظاهراً وباطناً) في صورة واحدة واعية بذاتها. هو "مختصر شريف" للوجود كلّه.
المبحث الثاني: جدول المراتب المقارن
| المرتبة | المصطلح عند ابن عربي | الخاصية المميّزة | علاقتها بالسعادة |
|---|---|---|---|
| الوجود المطلق | الذات الأحدية / الغيب المطلق | لا يقبل وصفاً ولا إدراكاً | هو السعادة ذاتها قبل أن تُسمّى سعادة |
| التعيّن الأول | الواحدية / مرتبة الأسماء | الأسماء مجملة غير مفصّلة | لذّة المعرفة الذاتية الإجمالية |
| العقل الأول | أوّل مبدَع / القلم الأعلى | يعقل ذاته ويعقل مبدأه | يعرف السعادة لكن لا يتذوّقها في صورة |
| العالم الكبير | الكون الأول / المَثَل المشبَّه | ظاهره المحسوسات وباطنه العقل | يحمل السعادة في باطنه دون أن يشعر بها |
| الإنسان الكامل | الكون الثاني / المَثَل المنزَّه | يجمع الظاهر والباطن بوعي | يشهد السعادة ويتذوّقها ويعيشها |
المبحث الثالث: العقل الأول والإنسان الكامل، تحليل العلاقة
الاشتراك
يشترك العقل الأول والإنسان الكامل في:
- تعقّل الذات: كلاهما يعرف أنّه موجود
- تعقّل المبدأ: كلاهما يعرف أنّه صادر عن الله
- حمل المعاني الكلّية: كلاهما يحمل حقائق الأسماء الإلهية
الافتراق
| وجه المقارنة | العقل الأول | الإنسان الكامل |
|---|---|---|
| التركيب | بسيط (باطن محض) | مركّب (ظاهر + باطن) |
| الصورة | لا صورة له في المحسوس | له صورة جامعة (جسد + روح) |
| نوع المعرفة | إجمالية | تفصيلية |
| التذوّق | يعقل السعادة | يعقلها ويتذوّقها |
| الجمع | يجمع المعاني فقط | يجمع المعاني والصور |
| التجلّي الإلهي | تجلٍّ باطني فقط | تجلٍّ ظاهري وباطني |
| حديث القرب | لا ينطبق عليه | "كنتُ سمعه الذي يسمع به وبصره..." |
| الخلافة | ليس خليفة | خليفة الله في أرضه |
سبب تفوّق الإنسان الكامل
الكمال عند ابن عربي ليس في العلوّ وحده بل في الجمع. العقل الأول أعلى مرتبةً من حيث القرب من المبدأ، لكنّ الإنسان الكامل أكمل من حيث الجمعية. وذلك لأنّ:
- العقل الأول يعكس الحقّ من جهة واحدة (الباطن)
- الإنسان الكامل يعكسه من جهتين (الظاهر والباطن)
- العقل الأول مرآة مسطّحة
- الإنسان الكامل مرآة كروية تعكس كلّ الاتجاهات
"الإنسان عرش الله. أعني بالإنسان الوجود المطلق من حيث اعتبار الصورة الإنسانية فيه، والإنسان الكامل هو الذي جمع بين الصورة والمعنى، فصار مرآة الحقّ الجامعة."
المبحث الرابع: الأمانة والخلافة، لماذا الإنسان
الأمانة
ابن عربي يفسّر الأمانة بأنّها التجلّي الذاتي الكامل. السموات والأرض (العالم الكبير) لم تتسع لهذا التجلّي لأنّها لا تملك الجمعية اللازمة. كلّ مخلوق يعكس اسماً واحداً أو بعض أسماء. لكنّ الإنسان حمل الأمانة لأنّه يجمع كلّ الأسماء في صورة واحدة.
الخلافة
الخليفة هو مَن يقوم مقام المستخلِف. والإنسان الكامل يقوم مقام الله في العالم من حيث إظهار الأسماء كلّها. ليس بمعنى أنّه "يصبح إلهاً" بل بمعنى أنّه المكان الذي تظهر فيه الأسماء الإلهية مجتمعة.
المبحث الخامس: بنية التجلّي، من المطلق إلى الإنسان
مخطّط التنزّلات
| المرتبة | الحركة | ما يحدث |
|---|---|---|
| الذات المطلقة | ← | لا حركة، سكون مطلق |
| التعيّن الأول | ← العلم بالذات | الأسماء تظهر إجمالاً |
| التعيّن الثاني (العقل الأول) | ← أوّل صدور | أوّل "موجود" يعقل ذاته ومبدأه |
| النفس الكلّية | ← انبساط العقل | حركة وحياة |
| الطبيعة الكلّية | ← تنزّل النفس | قوابل المادة |
| العالم المحسوس | ← تفصيل الطبيعة | السموات والأرض وما فيهما |
| الإنسان الكامل | ← جمع الكلّ | المرآة الجامعة الواعية |
الحركة الدائرية
المهمّ هنا أنّ ابن عربي لا يرى هذا المسار خطّياً (من أعلى إلى أسفل فقط) بل دائرياً: الوجود يتنزّل من المطلق إلى الإنسان، ثمّ الإنسان يعود بالمعرفة إلى المطلق. وهذه العودة هي "الطريق."
"الطريق المباشر" هو أن تعرف أنّ هذه الدائرة مكتملة أصلاً. وأنّك لم تغادر المطلق يوماً.
المبحث السادس: البهجة الأبدية، تأسيس وجودي
ما هي السعادة عند ابن عربي؟
السعادة عند ابن عربي ليست حالة نفسية ولا شعوراً عابراً. هي طبيعة الوجود حين يُدرك ذاته. قال في الفتوحات:
"لذّة الحقّ في تجلّيه لذاته لا تُقاس بشيء، وسعادة العبد بقدر حظّه من هذا التجلّي."
هذا يعني أنّ:
- السعادة المطلقة هي سعادة الوجود المطلق بذاته (لا يحتاج إلى شيء ليكون سعيداً)
- سعادة العقل الأول هي سعادة تعقّل الذات وتعقّل المبدأ (معرفة بلا تذوّق حسّي)
- سعادة الإنسان الكامل هي سعادة الجمع: يعرف ويتذوّق في آنٍ واحد
لماذا هي "أبدية"؟
لأنّها ليست مشروطة بشيء خارجي. كلّ سعادة مشروطة (بمال أو صحة أو علاقة) تنتهي بانتهاء شرطها. لكنّ سعادة الوجود بذاته لا شرط لها لأنّ الوجود لا ينتهي.
| نوع السعادة | مصدرها | مدّتها | شرطها |
|---|---|---|---|
| سعادة الحواس | المحسوسات | لحظية | وجود المحسوس |
| سعادة النفس | العلاقات والإنجاز | مؤقّتة | استمرار الظروف |
| سعادة العقل | المعرفة والفهم | أطول | بقاء الانتباه |
| البهجة الأبدية | الوجود ذاته | لا تنتهي | لا شرط لها |
المبحث السابع: الطريق المباشر، المنهج السلوكي
ما معنى "مباشر"؟
"المباشر" يعني أنّه لا يمرّ بمراحل زمنية متعاقبة بالضرورة. ليس طريقاً من النقطة أ إلى النقطة ب، بل هو انكشاف لما هو موجود أصلاً. كمَن يبحث عن نظّارته وهي على عينيه: لا يحتاج أن "يصل" إليها بل يحتاج أن "ينتبه" إلى أنّها هناك.
المنهج عند ابن عربي
ابن عربي لا يُنكر المراحل لكنّه يُبيّن أنّها مراحل في إزالة الحجب لا في اكتساب شيء جديد:
| المرحلة | ما يُزال | ما ينكشف |
|---|---|---|
| التخلية | حجاب الأفكار والتعلّقات | السكون الأصلي |
| التحلية | حجاب الجهل بالذات | المعرفة بالحقيقة |
| التجلية | حجاب التوهّم بالانفصال | الوحدة الأصلية |
السؤال المفتاحي: "مَن أنا؟"
هذا السؤال هو جوهر الطريق المباشر. وهو يتوافق مع قول النبيّ ﷺ: "مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه." ابن عربي يشرح هذا بأنّ:
- "نفسه" = حقيقته التي هي الوجود المطلق من حيث تعيّنه في هذه الصورة
- "ربّه" = الوجود المطلق من حيث هو ربّ لهذه الصورة
- المعرفتان واحدة: حين تعرف حقيقتك تعرف أنّها ليست شيئاً آخر غير الحقّ
المبحث الثامن: العبادة بعد المعرفة، الجمع بين المقامات
الإشكالية
إذا عرف السالك أنّه "الوجود المطلق من حيث اعتبار الصورة الإنسانية فيه" فكيف يصلّي ويدعو ويعبد؟ ألا تفترض العبادة اثنين: عابداً ومعبوداً؟
الحلّ عند ابن عربي
ابن عربي يُبيّن أنّ العبادة لا تُلغى بالمعرفة بل تتحوّل:
| قبل المعرفة | بعد المعرفة |
|---|---|
| أصلّي لأنّي عبد منفصل يتقرّب إلى رب بعيد | أصلّي لأنّ الوجود يعبد ذاته من خلالي |
| أدعو لأنّي محتاج | أدعو لأنّ الرحمة تطلب أن تتجلّى |
| أخاف من العقاب | أخشع أمام العظمة |
| العبادة واجب | العبادة تجلٍّ وجمال |
هذه الآية هي مفتاح الجمع: أنت تفعل (من حيث الصورة) والله يفعل (من حيث الحقيقة). والعارف يشهد الوجهين معاً دون أن يُنكر أحدهما.
مقامات الجمع
| المقام | ما يشهده السالك | الخطر إن بقي فيه وحده |
|---|---|---|
| الفرق (العبودية) | أنا عبد والله ربّي | الشعور بالبُعد والخوف |
| الجمع (الفناء) | لا أنا ولا غيري، هو وحده | إهمال الشريعة والأدب |
| جمع الجمع (البقاء) | أنا عبد وأعرف أنّ العبودية تجلٍّ | لا خطر، هذا هو الكمال |
النبيّ ﷺ كان في "جمع الجمع" دائماً: يعرف الحقيقة ويعيش في الصورة بكمال الأدب.
المبحث التاسع: الدعاء في ضوء البنية الوجودية
الدعاء ليس اعترافاً بالانفصال
في ضوء بنية ابن عربي، الدعاء هو حركة داخل الوجود الواحد:
| العنصر | في الظاهر | في الحقيقة |
|---|---|---|
| الداعي | العبد المحتاج | الوجود في صورة السائل |
| المدعوّ | الله المجيب | الوجود في صورة المجيب |
| الدعاء | طلب من بعيد | حوار الوجود مع ذاته |
| الإجابة | عطاء من أعلى | تجلّي الرحمة في صورة الفرج |
ترك الدعاء: كبر خفي
مَن يترك الدعاء بدعوى المعرفة يقع في كبر خفيّ: يظنّ أنّه "تجاوز" مقام العبودية. وهذا عند ابن عربي نقص لا كمال. لأنّ الكمال في الجمع: أن تعرف الحقيقة وتعيش في الصورة بأدبها.
المبحث العاشر: تطبيقات عملية للسالك
الخطوة الأولى: التعرّف (مَن أنا؟)
اجلس في سكون واسأل: "مَن أنا؟" لا تقبل أيّ إجابة ذهنية. ابقَ مع السؤال حتى يسقط السائل والمسؤول ويبقى الحضور المحض.
الخطوة الثانية: التثبّت (البقاء في المعرفة)
بعد أن تعرف، ابقَ. لا تعُد إلى التماهي مع الأفكار والمشاعر. هذا ما يسمّيه ابن عربي "الاستقامة بعد الفتح."
الخطوة الثالثة: الجمع (العيش في الصورة بعلم الحقيقة)
عُد إلى حياتك العادية: صلِّ، ادعُ، اعمل، أحبّ. لكن وأنت تعرف. هذا هو مقام "البقاء بعد الفناء" وهو أعلى المقامات.
جدول التطبيق اليومي
| الوقت | الفعل | المقام | المعرفة المصاحبة |
|---|---|---|---|
| الفجر | التأمّل الصامت | الوجود المطلق | أنا الحضور قبل كلّ صورة |
| الصلوات | الصلاة بخشوع | العبودية الواعية | الوجود يعبد ذاته من خلالي |
| العمل | الإنجاز والسعي | الخلافة | "وما رميت إذ رميت" |
| الدعاء | الطلب بصدق | الافتقار الواعي | الرحمة تطلب أن تتجلّى |
| النوم | التسليم | الفناء الطبيعي | العودة إلى الأصل كلّ ليلة |
المبحث الحادي عشر: مقارنة بين الطريق المباشر والطريق التدريجي
| وجه المقارنة | الطريق التدريجي | الطريق المباشر |
|---|---|---|
| المنطلق | أنا عبد ناقص أسعى للكمال | أنا كامل أصلاً وأزيل حجب الجهل |
| الزمن | يحتاج سنوات من المجاهدة | انكشاف لحظي (ثمّ تثبّت) |
| المحرّك | الخوف أو الرجاء | المعرفة والحبّ |
| الهدف | الوصول إلى الله | اكتشاف أنّك لم تكن بعيداً |
| العبادة | وسيلة للوصول | تعبير عن الوصول |
| النتيجة | مقامات متدرّجة | البهجة الأبدية |
| الخطر | اليأس من طول الطريق | الكبر والإهمال |
| العلاج | الصبر والمصابرة | الأدب والجمع |
ملاحظة مهمّة: الطريقان ليسا متناقضين. الطريق المباشر لا يُلغي المجاهدة بل يُعطيها معنى مختلفاً: أنت لا تجاهد لتصل بل تجاهد لتُزيل ما يحجبك عمّا أنت عليه أصلاً. والفرق في النيّة يصنع فرقاً هائلاً في التجربة.
المبحث الثاني عشر: شواهد قرآنية مؤسِّسة
| الآية | الدلالة في سياق البحث |
|---|---|
| ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ | القرب الوجودي: ليس هناك مسافة تُقطع |
| ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ﴾ | الوجود المطلق يشمل كلّ الاتجاهات |
| ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ | لا مكان خالٍ من التجلّي |
| ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ | التذكّر هو مفتاح السعادة |
| ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ | الرجوع معرفي لا مكاني |
| ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ | الجمع بين العبودية والحقيقة |
| ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ | الإنسان وحده يسع التجلّي الكامل |
| ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ | الدعاء حوار داخل الوجود الواحد |
| ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ | الوجود المطلق وحده الباقي |
| ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ | الطريق المباشر: الفرار إلى ما أنت عليه |
المبحث الثالث عشر: الحديث القدسي، مفتاح البنية كلّها
"كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعرف فخلقتُ الخلق لأُعرف."
هذا الحديث (وإن اختُلف في إسناده) هو المفتاح الذي يفتح البنية كلّها عند ابن عربي:
| العنصر | المعنى الوجودي |
|---|---|
| "كنتُ كنزاً" | الوجود المطلق في غيبه |
| "مخفياً" | قبل التجلّي، لا يعرفه أحد |
| "فأحببتُ" | الحبّ هو محرّك التجلّي (لا الحاجة) |
| "أن أُعرف" | غاية الخلق هي المعرفة |
| "فخلقتُ الخلق" | التنزّلات: العقل الأول ← العالم ← الإنسان |
| "لأُعرف" | الإنسان الكامل هو المكان الذي يُعرف فيه الكنز |
البهجة الأبدية هي أن تكون أنت المكان الذي يُعرف فيه الكنز. أن تكون المرآة الواعية. أن تعرف أنّك تعرف. هذا هو الغرض من وجودك، وهو طبيعتك الأصلية، وهو السعادة التي لا تُنزع.
الخاتمة: أنت الطريق والمنتهى
ليس هناك "طريق" بالمعنى الحرفي. لأنّ الطريق يفترض مسافة، والمسافة تفترض انفصالاً، والانفصال وهم.
ما هناك هو انكشاف. أن ترى ما كان دائماً أمامك. أن تتذكّر ما لم تنسه حقاً. أن تعود إلى ما لم تغادره أبداً.
والبهجة الأبدية ليست مكافأة في نهاية الطريق. هي طبيعة الطريق ذاته. هي ما أنت عليه الآن، في هذه اللحظة، بكلّ ما فيها.
الفرار ليس هروباً من شيء إلى شيء آخر. بل هو عودة إلى ما أنت عليه. عودة المحيط إلى المحيط. عودة الوجود إلى الوجود.
وهذه العودة لا تحتاج زمناً. لأنّها ليست حركة في المكان. هي معرفة. وهي متاحة الآن.
أنت ما تبحث عنه. وما تبحث عنه هو ما يبحث.
المصادر والمراجع
- ابن عربي، محيي الدين. "بلغة الغواص في الأكوان إلى معدن الإخلاص في معرفة الإنسان." تحقيق: عبد الرحمن حسن محمود.
- ابن عربي، محيي الدين. "الفتوحات المكية." طبعة بولاق، 4 مجلّدات.
- ابن عربي، محيي الدين. "فصوص الحكم." تحقيق: أبو العلا عفيفي.
- ابن عربي، محيي الدين. "إنشاء الدوائر." تحقيق: نيبرغ.
- الغزالي، أبو حامد. "مشكاة الأنوار." تحقيق: أبو العلا عفيفي.
- الغزالي، أبو حامد. "إحياء علوم الدين." دار المعرفة، بيروت.
- القيصري، داود. "شرح فصوص الحكم." تحقيق: حسن حسن زاده آملي.
- الجيلي، عبد الكريم. "الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل."
- عفيفي، أبو العلا. "التصوّف: الثورة الروحية في الإسلام." دار المعارف.
- شودكيفيتش، ميشيل. "ختم الأولياء في التصوّف." ترجمة: أحمد الطيّب.
المصادر والمراجع
- ابن عربي، محيي الدين. "بلغة الغواص في الأكوان إلى معدن الإخلاص في معرفة الإنسان." تحقيق: عبد الرحمن حسن محمود.
- ابن عربي، محيي الدين. "الفتوحات المكية." طبعة بولاق، 4 مجلّدات.
- ابن عربي، محيي الدين. "فصوص الحكم." تحقيق: أبو العلا عفيفي.
- ابن عربي، محيي الدين. "إنشاء الدوائر." تحقيق: نيبرغ.
- الغزالي، أبو حامد. "مشكاة الأنوار." تحقيق: أبو العلا عفيفي.
- الغزالي، أبو حامد. "إحياء علوم الدين." دار المعرفة، بيروت.
- القيصري، داود. "شرح فصوص الحكم." تحقيق: حسن حسن زاده آملي.
- الجيلي، عبد الكريم. "الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل."
- عفيفي، أبو العلا. "التصوّف: الثورة الروحية في الإسلام." دار المعارف.
- شودكيفيتش، ميشيل. "ختم الأولياء في التصوّف." ترجمة: أحمد الطيّب.
