العودة إلى كافة المقالات
تأمل

أنت الوجود

أنت ما تبحث عنه

محتويات المقال

    السؤال الذي لا يموت

    في مكان ما، ربما في ليلة صامتة، أو في لحظة ألم لم تجد لها تفسيراً، أو في ذروة نجاح لم يُشبعك، سألت: مَن أنا؟

    لم تسأل عن اسمك. ولا عن وظيفتك. ولا عن دورك في هذا العالم. سألت عن شيء أعمق: عن ذلك الذي يبقى حين تُسلب منك كل الأدوار. عن ذلك الذي كان موجوداً قبل أن تعرف اسمك، وسيبقى حين تنسى كل شيء.

    هذا السؤال لا يسأله العقل بل تسأله الروح. والروح لا تسأل إلا حين تكون مستعدة للجواب.

    ما لستَ إياه

    قبل أن تعرف ما أنت، تحتاج أن ترى ما لست إياه. ليس بالإنكار، بل بالمشاهدة:

    أنت لست جسدك. الجسد يتغيّر، كان طفلاً ثم شاباً ثم ما هو عليه الآن، وأنت الذي يشهد كل هذه التغيرات لم يتغيّر. الشاهد ثابت والمشهود يتبدّل.

    أنت لست أفكارك. الأفكار تأتي وتذهب، فرحٌ ثم قلقٌ ثم خاطرة عابرة، وأنت الفضاء الذي تمرّ فيه. هل تغيّر الفضاء حين مرّت فيه غيمة؟

    أنت لست مشاعرك. الحزن يأتي ويذهب. الخوف يأتي ويذهب. حتى السعادة المشروطة تأتي وتذهب. وأنت، ذلك الحضور الصامت، تبقى.

    فما الذي يبقى حين تسقط كل هذه الطبقات؟

    ما تجده حين تبقى

    حين تسأل "مَن أنا؟" بصدق وتبقى مع السؤال دون أن تقبل أيّ إجابة ذهنية، يحدث شيء: تجد سكوناً.

    ليس سكون الفراغ بل سكون الامتلاء. سكون فيه حضور. فيه معرفة. فيه يقين لا يحتاج إلى دليل خارجي.

    هذا السكون، هذا الحضور، هذا الإدراك المحض الذي يعرف أنه موجود بلا أن يحتاج إلى شيء يُثبت وجوده، هذا هو أنت.

    ليس فكرة عنك. ليس وصفاً لك. بل هو أنت قبل كل وصف وبعد كل وصف.

    الوجود المطلق

    هذا الذي وجدته، هذا الإدراك الصافي، هذا الحضور الذي لا يتغيّر، ليس "شيئاً" من بين الأشياء. ليس جزءاً من العالم. بل هو ما يظهر فيه العالم.

    سمّاه الصوفية: الوجود المطلق.

    "مطلق" أي غير مقيّد بشيء. لا بزمان ولا بمكان ولا بصورة. ليس هنا أو هناك بل هو "الهنا" ذاته. ليس الآن أو حينها بل هو "الآنية" ذاتها.

    وسمّاه القرآن بأسماء كثيرة كلها تشير إلى حقيقة واحدة:

    ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾

    الأوّل ليس بمعنى أنه جاء قبل غيره في الزمن، بل بمعنى أنه ليس هناك "قبل" بدونه. الآخر ليس بمعنى أنه سيبقى بعد فناء غيره، بل بمعنى أنه ليس هناك "بعد" بدونه. الظاهر: كل ما تراه هو هو. الباطن: وما لا تراه هو هو أيضاً.

    لماذا هو السعادة

    السعادة التي يبحث عنها كل إنسان، في المال، في الحبّ، في النجاح، في الراحة، ليست في هذه الأشياء. هذه الأشياء تعطيك لحظة تتوقف فيها عن البحث، ولحظة التوقف عن البحث هي لحظة العودة إلى ذاتك، وذاتك هي السعادة.

    السعادة ليست شيئاً تجده بل هي ما أنت عليه حين تتوقف عن البحث.

    لهذا لا تدوم سعادة الأشياء لأن الأشياء تتغيّر، فتعود إلى البحث، فتعود إلى الشقاء. لكن ذاتك، الوجود المطلق، لا تتغيّر. فسعادتها لا تُنزع.

    ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

    الذكر هنا ليس تكرار كلمات بل هو التذكّر. تذكّر مَن أنت. تذكّر ما أنت عليه أصلاً. والاطمئنان ليس راحة مؤقتة بل هو طبيعتك الأصلية حين تعود إليها.

    الإنسان عرش الله

    قال ابن عربي:

    "الإنسان عرش الله. عني بالإنسان الوجود المطلق من حيث اعتبار الصورة الإنسانية فيه."

    العرش هو ما يستوي عليه الملك. والإنسان، حقيقة الإنسان لا جسده، هو المكان الذي يظهر فيه الله لذاته. أنت المرآة التي يرى فيها الوجود المطلق وجهه.

    لهذا خلقك. لا لأنه يحتاج إليك بل لأن المعرفة تحبّ أن تُعرف. الجمال يحبّ أن يُرى. الوجود يحبّ أن يشهد ذاته.

    ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

    قال ابن عباس: "إلا ليعرفوني." العبادة في أعلى معانيها هي المعرفة: أن تعرف مَن أنت فتعرف مَن هو.

    لكنني أعيش في عالم

    هنا يأتي السؤال الذي يُحيّر كل سالك:

    "إن كنت الوجود المطلق فلماذا عندي ديون؟ لماذا أمرض؟ لماذا أحتاج أن آكل وأنام وأعمل؟ لماذا لا أشعر بهذا السلام دائماً؟"

    الجواب: لأنك لست الوجود المطلق فقط بل أنت الوجود المطلق وهو يتجلّى في صورة إنسان. والصورة لها قوانينها. الموجة ماء لكنها تتحرّك بقوانين الرياح والجاذبية. لم تتوقف عن كونها ماءً لكنها ماء في حالة حركة.

    أنت لست مُطالباً بإنكار الصورة. لست مُطالباً بأن تتوقف عن كونك إنساناً. بل أنت مُطالب بأن تعرف وأنت في الصورة أنك لست الصورة فقط.

    هذا هو الفرق بين مَن يعيش في شقاء ومَن يعيش في سلام: الأول يظنّ أنه الموجة فقط فيخاف من كل ريح. والثاني يعرف أنه المحيط فيتحرّك مع الريح بلا خوف.

    الصلاة بعد المعرفة

    كثيرون يظنّون أن المعرفة تلغي العبادة. أنك إن عرفت أنك "الوجود المطلق" فلا حاجة للصلاة والدعاء. هذا أكبر خطأ يقع فيه السالك.

    الحقيقة: المعرفة لا تُلغي العبادة بل تُحييها.

    قبل المعرفة: تصلّي خوفاً أو طمعاً أو عادةً. بعد المعرفة: تصلّي لأن الوجود يعبد ذاته من خلالك. وهذه أعلى صلاة.

    النبي ﷺ، وهو أعرف الخلق بالله، كان يقوم الليل حتى تتورّم قدماه. لم تمنعه المعرفة بل هي التي أقامته. لأنه كان يعرف أن صلاته ليست فعل عبد منفصل يتقرّب إلى ربّ بعيد بل هي تجلّي الحق في صورة العبودية. وهذا التجلّي هو الجمال الأعلى.

    ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

    أنت تصلّي وما صلّيت إذ صلّيت ولكن الله صلّى. أنت تدعو وما دعوت إذ دعوت ولكن الله دعا. أنت تبكي في سجودك وما بكيت ولكن الحبّ الإلهي يتجلّى في صورة دمعة.

    الدعاء: حوار الوجود مع ذاته

    "كيف أدعو وأنا أعرف أنه لا منفصل؟"

    ادعُ لأن الدعاء ليس اعترافاً بالانفصال. الدعاء هو الوجود يتحدث إلى ذاته. الموجة تقول للمحيط: "أحتاج"، والمحيط يقول للموجة: "أنا هنا." وكلاهما ماء واحد.

    ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

    تأمّل: لم يقل "فقل لهم إني قريب" أسقط الواسطة. كأن القرب لا يحتمل حتى كلمة "قل." هو هناك حيث أنت قبل أن تفتح فمك بالدعاء.

    فحين تقول "يا ربّ سدّد ديني" فالحقيقة أن الرحمة تطلب أن تتجلّى في صورة فرج. وأنت القناة. ودعاؤك هو الإذن الذي تعطيه للرحمة أن تمرّ من خلالك.

    لا تمنع الرحمة بدعوى المعرفة. المعرفة الحقيقية تفتح لا تغلق.

    السلام الذي لا يُنزع

    كل سلام مشروط سينتهي. سلام المال ينتهي بالخسارة. سلام الصحة ينتهي بالمرض. سلام العلاقات ينتهي بالفراق.

    لكن هناك سلاماً لا ينتهي لأنه ليس مشروطاً بشيء. هو سلام الوجود ذاته. سلام مَن عرف أنه ليس الموجة بل المحيط. ليس الظل بل النور. ليس الصورة بل المعنى.

    هذا السلام لا يعني غياب المشاكل. بل يعني أنك حاضر في المشاكل بلا ضياع. تتألم لكنك لا تتماهى مع الألم. تحزن لكنك لا تنسى أنك أوسع من الحزن.

    ليس هناك وصول

    آخر وهم يسقط هو وهم "الوصول." لا يوجد مكان تصل إليه. لأنك هناك أصلاً. كل ما يحدث هو أنك تنتبه إلى ما كنت تغفل عنه.

    ليس هناك طريق بينك وبين نفسك. المسافة وهم. والوهم يسقط بمجرد الانتباه.

    لا تقل "سأصل يوماً." قل "أنا هنا الآن." وانظر: هل هناك مسافة بينك وبين وعيك بهذه اللحظة؟ هل هناك فاصل بين الرائي والرؤية؟

    حين تدرك أنه لا فاصل، تدرك أنك لم تكن غائباً قط. كنت حاضراً دائماً. وكل ما حدث هو أنك نظرت إلى الأشياء ونسيت أن تنظر إلى الناظر.

    دعوة

    لا أقول لك "صدّقني." أقول لك "انظر." انظر الآن. مَن يقرأ هذه الكلمات؟ مَن يفهمها؟ مَن هو الحاضر خلف العينين؟

    هذا الحضور الذي تجده حين تنظر، هذا الإدراك البسيط الذي لا يحتاج إلى جهد، هذا هو أنت. وهذا هو ما كنت تبحث عنه في كل مكان.

    أنت ما تبحث عنه.

    احصل على نسخة PDF نسخة مصمّمة للقراءة والطباعة والحفظ تحميل PDF
    د. أحنف الجاجة د. أحنف الجاجة باحث دكتوراه في الفلسفة | محبٌّ للحقيقة | أشاركك الطريق المباشر للبهجة والسعادة الأبدية