في أن السؤال هو الباب
ليس السؤال "ما الإنسان؟" سؤالاً من أسئلة العلم التي تنتظر جواباً يُغلقها. إنه سؤال من جنس الوجود نفسه: كلما أجبتَ عنه انفتح لك باب لم تكن تراه. وهذا هو الفرق بين سؤال يُطرح على شيء وسؤال يُطرح من داخل الشيء على نفسه. فالإنسان هو السائل والمسؤول عنه في آنٍ واحد، وهذا الجمع بين الطرفين هو أول إشارة إلى حقيقته.
من سأل "ما الحجر؟" فقد وقف خارج الحجر ونظر إليه. ومن سأل "ما الإنسان؟" فقد وقف في قلب السؤال ذاته، لأنه لا يستطيع أن يخرج من إنسانيته ليراها من بعيد. وهذا العجز عن الخروج ليس نقصاً، بل هو عين الكمال: فالذي لا يُحاط به من خارج هو الذي لا حدّ له، والذي لا حدّ له هو المرآة التي تسع كل شيء.
في أن الإنسان ليس شيئاً بين الأشياء
حين تقول "الإنسان حيوان ناطق" فقد أخبرتَ عن رسمه لا عن حقيقته. الرسم يصف الحدود، والحقيقة لا حدّ لها. فالإنسان ليس جسماً يحمل عقلاً، ولا عقلاً يسكن جسماً. هو شيء ثالث لا اسم له في لغة الأشياء.
تأمّل: كل موجود في العالم له ماهية تسبقه. الشجرة شجرة قبل أن توجد هذه الشجرة بعينها. والحجر حجر قبل أن يوجد هذا الحجر بعينه. أما الإنسان فوجوده يسبق ماهيته بمعنى دقيق: هو لا يصير إنساناً بالتعريف بل بالسلوك، ولا يكتمل بالولادة بل بالمعرفة. فمن لم يعرف نفسه لم يكن إنساناً إلا بالقوة لا بالفعل.
في المرآة والوجه
الوجود كله وجه واحد، والإنسان مرآته. لكن المرآة ليست شيئاً مضافاً إلى الوجه، بل هي الموضع الذي يرى فيه الوجهُ نفسَه. فلولا المرآة لكان الوجه موجوداً لكنه غير معلوم لذاته. والعلم هنا ليس زيادة على الوجود بل هو كمال الوجود.
فالإنسان إذن ليس موجوداً عادياً أُضيف إلى قائمة الموجودات. هو الموضع الذي يعي فيه الوجودُ ذاتَه. وهذا يعني أن وعيك بنفسك ليس شأناً خاصاً بك وحدك، بل هو شأن الوجود كله وقد تجلّى في نقطة. أنت النقطة التي يقرأ فيها الكتابُ نفسَه.
في طبقات الحجاب
لكن إن كان الإنسان مرآة الوجود، فلماذا لا يرى ذلك؟ لأن المرآة قد تصدأ. والصدأ هنا ليس ذنباً أخلاقياً فحسب، بل هو كل ظنّ يظنّه الإنسان عن نفسه فيحجبه عن نفسه.
حين تقول "أنا فلان بن فلان"، فقد حجبتَ نفسك بالاسم. وحين تقول "أنا طبيب" أو "أنا تاجر"، فقد حجبتَ نفسك بالوظيفة. وحين تقول "أنا خائف" أو "أنا غاضب"، فقد حجبتَ نفسك بالحال. وكل هذه حُجب صادقة في مستواها لكنها كاذبة إن ادّعت أنها أنت.
فالاسم ليس أنت، والوظيفة ليست أنت، والحال ليس أنت. أنت الذي يشهد الاسم والوظيفة والحال ولا يتغير بتغيرها. أنت الثابت خلف المتحول، والساكن في قلب العاصفة، والحاضر الذي لا يغيب حين يغيب كل شيء.
في الفرق بين العلم والمعرفة
العلم أن تعرف شيئاً. والمعرفة أن تكون ما تعرفه. العلم يُكتسب من خارج، والمعرفة تُكشف من داخل. العلم يزيد، والمعرفة تُزيل. العلم يضيف إليك معلومات، والمعرفة تنزع عنك أوهاماً.
ولذلك فإن الجاهل بنفسه ليس من ينقصه علم يُضاف، بل من يزيد عليه وهم يُنزع. والطريق إلى معرفة الإنسان ليس طريق التراكم بل طريق التجريد: أن تنزع عن نفسك كل ما ليس أنت حتى لا يبقى إلا أنت.
وهذا النزع ليس عملاً عنيفاً بل هو أرقّ ما يكون: أن تنتبه. مجرد الانتباه يكفي. فحين تنتبه إلى أنك لستَ غضبك، ينفصل عنك الغضب. وحين تنتبه إلى أنك لستَ خوفك، يسقط عنك الخوف. لا لأنك قاومته بل لأنك رأيته، ومن رأى الحجاب فقد تجاوزه.
في أن الإنسان جامع
ما الذي يجعل الإنسان إنساناً حقاً؟ إنه الجمع. فكل موجود آخر هو شيء واحد: المَلَك عقل بلا شهوة، والحيوان شهوة بلا عقل، والجماد وجود بلا حياة. أما الإنسان فهو الذي يجمع هذا كله في ذاته: فيه الجماد من جسده، والنبات من نموّه، والحيوان من شهوته، والمَلَك من عقله، ثم فيه شيء زائد على هذا كله لا يُسمّى بشيء من هذه الأسماء.
هذا الشيء الزائد هو "السرّ" الذي يجعله خليفة. فالخليفة ليس من يملك القوة بل من يجمع الصفات. والجمع هنا ليس خلطاً بل تناسقاً: أن يكون كل شيء في موضعه، والعقل حاكماً لا محكوماً، والشهوة خادمة لا سيّدة، والجسد مركبة لا سجناً.
في أن المعرفة عودة لا ذهاب
ليست معرفة الإنسان لنفسه اكتشافاً لشيء جديد لم يكن، بل هي عودة إلى شيء قديم كان ثم نُسي. والنسيان هنا ليس نسيان الذاكرة بل نسيان الكينونة: أن تنسى ما أنت لا ما تعلم.
ولذلك فإن لحظة المعرفة ليست لحظة دهشة بل لحظة تذكّر. حين يعرف الإنسان نفسه لا يقول "يا للعجب!" بل يقول "كيف نسيتُ هذا؟". وهذا التذكّر هو أعذب ما في الطريق: أنك لا تصل إلى مكان غريب بل تعود إلى بيتك الذي لم تغادره قط إلا بالوهم.
في الخلاصة التي ليست خلاصة
ما الإنسان؟ هو السؤال الذي لا يُغلق. هو المرآة التي لا تنكسر. هو الجامع الذي لا يتجزأ. هو العائد الذي لم يغادر. هو الحاضر الذي ظنّ أنه غائب فبحث عن نفسه في كل مكان إلا في المكان الوحيد الذي هو فيه: هنا، الآن، في هذا الوعي الذي يقرأ هذه الكلمات.
فإن أردت أن تعرف ما الإنسان، فلا تبحث في الكتب ولا في المختبرات ولا في المرايا. ابحث في الباحث نفسه. فإنك أنت الجواب الذي تبحث عنه، وما السؤال إلا حجاب رقيق بينك وبين نفسك، يسقط حين تنتبه إلى أنه ليس هناك مسافة أصلاً بين السائل والمسؤول عنه.
